دائمًا.. ليس الآن
جلست أمام المرآة في صباحٍ بلا لون. لم يكن وجهها غريبًا، لكنه لم يعد دالًّا عليها. كأن الزمن استخدمه نيابةً عنها، وترك لها عبء الاعتراف به.
القهوة بردت سريعًا، كما تبرد الأشياء حين لا تجد سببًا للبقاء. فتحت هاتفها. رسالة من أمّها: «لا ترفضي الفرصة، الناس تتمنّى ما لديك.»
الفرصة. كلمة تُقال عادةً عندما يُطلب منك أن تُصغّر نفسك قليلًا، لتدخل الحياة من بابٍ أضيق.كانت قد أتقنت، في الشهور الأخيرة، حرفة التكيّف. تعمل حيث ينبغي، لا حيث ترغب. تصادق دون اندفاع، وتحبّ دون خطر. أقنعت نفسها أن النضج هو القدرة على الاحتمال، وأن السلام لا يحتاج إلى حلم، فقط إلى سقف ثابت. لكن في داخلها، كان شيءٌ آخر يعدّ الأيام لا بما تحمله، بل بما تُلغيه. في طريقها إلى العمل، توقّفت أمام المكتبة عند آخر الشارع. كانت تعرف أن الوقوف نفسه طقسٌ بلا نتيجة. رفعت كتابًا عن السفر، قلّبت صفحاته، ثم أعادته إلى مكانه. السفر ليس الآن. الحلم ليس الآن. دائمًا ليس الآن. بعض الرغبات لا تُقمع، بل تُؤجَّل إلى أن تفقد بريقها.
في المكتب، قدّم لها المدير عقد التمديد. ابتسم، كمن يمنح نجاة:
«مستقبلك مضمون هنا.»
أمسكت القلم. شعرت ببرودة الطاولة تحت أصابعها، وبثقلٍ غير مبرّر في يدها. رأت المستقبل لا كزمن، بل كمكان: ممرّ طويل، أبوابه متشابهة، ونوافذه مغلقة بإحكام. مرّت في ذهنها دفاتر قديمة، رسومات لمدن لا تعترف بها الخرائط، وامرأة كانت تنوي أن تصيرها ثم اعتذرت.
وقّعت.
كان التوقيع صغيرًا، لكن صداه كان واسعًا. بعد العمل، جلست على مقعدٍ حجريّ، كما لو أنها تنتظر شيئًا لن يأتي. أخرجت دفترها، فتحت صفحة فارغة، ورسمت نافذة. لم تفتحها. اكتفت بأن تجعلها ممكنة.حين أغلقت الدفتر، ابتسمت ابتسامة لا تحمل فرحًا ولا حزنًا، بل معرفة. و إدراك حزين تعرف أنه سيرافقك طالما تعيش. في تلك الليلة، فهمت أن الخسارة الأعمقلا تحدث حين لا نصل، بل حين نصل إلى مكانٍ لم نختره، ونتعلّم العيش فيه ببراعة من يزعم أنه كان قراره منذ البداية.



تعليقات