لا بأس

 







لطالما كنت الشخص الذي يشرح باستفاضة، لأنني أعرف جيدًا ما يعنيه ألا يكون المرء مفهومًا.

كنت أتكلم لأُرى، أشرح لأُحتَوى، أبرر، أركض، أُسافر، أُهرول، أُسرع، كأنني أهرب إلى شيء يساعدني أن أشرح نفسي.

كبرت، وما زال في داخلي صوت صغير يقول: “لو فقط، رأيت ما أراه… ستفهم.”

لكنني اليوم أضع هذه الأمنية جانبًا.

أتركها كما يُترك جرح قديم تعلّمت أنه لن يزول، ولن يندمل،

وأقول لنفسي: لا بأس. إن لم تفهم، لا بأس.

إن ظننتني متعالية أو باردة أو غامضة، لا بأس.

إن اختصرتني في انطباع عابر، أو نسيتني وسط الزحام، لا بأس.

إن مررت بي كأنني لوحة على الحائط لم تُلتفت لها، إن تركتني معلّقة كقصيدة بلا توقيع، أو هجرتني ككتاب لم يُقرأ… فلا بأس.

لقد تعبت من الشرح.

تعبت من تفكيك قلبي كأنه لغز يحتاج إلى عقل لا إلى قلب. تعبت من الوقوف في المنتصف، منتصف الجملة، منتصف العلاقة، منتصف الطريق. تعبت من التبرير المتكرر للشيء ذاته. الآن، لا أحتاج إلى يد تمسكني لأعبر الضفة. لقد عبرتُ مئات الضفاف وحدي. ولم يكن الهدف أن أصل، بل أن يرى أحدهم ما يعنيه أن أصل. أن تمنحك عيناي شيئًا من رؤيتي، وأن تمنحني عيناك مفهوم مختلف لذاتي. أن يُمسكني أحدهم، لا لينقذني، بل ليقرأني كما تُقرأ فجوة في جسد الوقت. أن يفهمني أحدهم، لا كامتياز، بل كمأوى، كمساحة نعيش فيها معًا بصمت لا يحتاج إلى شرح. الفهم ليس رفاهية. هو ضرورة تشبه الهواء، وربما أكثر. أحيانًا، أفضل الغرق على أن أُبحر نحو من لا يفهمني.


الفهم كان دائمًا بيتي، وإن لم يكن بيتك… فلا بأس.


تعليقات

‏قال غير معرف…
This is so kind it feels like a hug, a gentle reminder to yourself.

المشاركات الشائعة